ابن أبي الحديد

8

شرح نهج البلاغة

فقال عمر وأبو عبيدة : ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك ، أنت صاحب الغار ، ثاني اثنين ، وأمرك رسول الله بالصلاة ، فأنت أحق الناس بهذا الامر . فقال الأنصار : والله ما نحسدكم على خير ساقه الله إليكم ، ولا أحد أحب إلينا ولا أرضى عندنا منكم . ولكنا نشفق فيما بعد هذا اليوم ، ونحذر أن يغلب على هذا الامر من ليس منا ولا منكم ، فلو جعلتم اليوم ، رجلا منكم بايعنا ورضينا ، على أنه إذا هلك اخترنا واحدا من الأنصار ، فإذا هلك كان آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة ، كان ذلك أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه القرشي ، ويشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري . فقام أبو بكر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخالفوه وشاقوه ، وخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والايمان به ، والمواساة له ، والصبر معه على شدة أذى قومه ، ولم يستوحشوا لكثرة عدوهم ، فهم أول من عبد الله في الأرض ، وهم أول من آمن برسول الله ، وهم أولياؤه وعترته ، وأحق الناس بالامر بعده ، لا ينازعهم فيه إلا ظالم . وليس أحد بعد المهاجرين فضلا وقدما في الاسلام مثلكم . فنحن الامراء وأنتم الوزراء ، لا نمتاز دونكم بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور . فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أيديكم ، إنما الناس في فيئكم وظلكم ، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ، ولا يصدر الناس إلا عن أمركم ، أنتم أهل الايواء والنصرة ، وإليكم كانت الهجرة ، وأنتم أصحاب الدار والايمان ، والله ما عبد الله علانية إلا عندكم وفى بلادكم ،